سيد قطب
1897
في ظلال القرآن
مما يشعر أن قوله : « لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً » كان بناء على اتهام له أو تلميح بأنه يبتغي أجرا أو كسب مال من وراء الدعوة التي يدعوها . وكان التعقيب : « أَ فَلا تَعْقِلُونَ ؟ » للتعجيب من أمرهم وهم يتصورون أن رسولا من عند اللّه يطلب رزقا من البشر ، واللّه الذي أرسله هو الرزاق الذي يقوّت هؤلاء الفقراء ! ثم يوجههم إلى الاستغفار والتوبة . ويكرر السياق التعبير ذاته الذي ورد في أول السورة على لسان خاتم الأنبياء ، ويعدهم هود ويحذرهم ما وعدهم محمد وحذرهم بعد ذلك بآلاف السنين : « وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ، يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ، وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ . وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ » . . استغفروا ربكم مما أنتم فيه ، وتوبوا إليه فابدءوا طريقا جديدا يحقق النية ويترجمها إلى عمل يصدق النية . . « يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً » . . وكانوا في حاجة إلى المطر يسقون به زروعهم ودوابهم في الصحراء ، ويحتفظون به بالخصب الناشئ من هطول الأمطار في تلك البقاع . « وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ » . . هذه القوة التي عرفتم بها . . « وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ » . . مرتكبين لجريمة التولي والتكذيب . وننظر في هذا الوعد . وهو يتعلق بإدرار المطر ومضاعفة القوة . وهي أمور تجري فيها سنة اللّه وفق قوانين ثابتة في نظام هذا الوجود ، من صنع اللّه ومشيئته بطبيعة الحال . فما علاقة الاستغفار بها وما علاقة التوبة ؟ فأما زيادة القوة فالأمر فيها قريب ميسور ، بل واقع مشهود ، فإن نظافة القلب والعمل الصالح في الأرض يزيدان التائبين العاملين قوة . يزيدانهم صحة في الجسم بالاعتدال والاقتصار على الطيبات من الرزق وراحة الضمير وهدوء الأعصاب والاطمئنان إلى اللّه والثقة برحمته في كل آن ؛ ويزيدانهم صحة في المجتمع بسيادة شريعة اللّه الصالحة التي تطلق الناس أحرارا كراما لا يدينون لغير اللّه على قدم المساواة بينهم أمام قهار واحد تعنو له الجباه . . كما تطلقان طاقات الناس ليعملوا وينتجوا ويؤدوا تكاليف الخلافة في الأرض ؛ غير مشغولين ولا مسخرين بمراسم التأليه للأرباب الأرضية وإطلاق البخور حولها ودق الطبول ، والنفخ فيها ليل نهار لتملأ فراغ الإله الحق في فطرة البشر ! والملحوظ دائما أن الأرباب الأرضية تحتاج ويحتاج معها سدنتها وعبادها أن يخلعوا عليها بعض صفات الألوهية من القدرة والعلم والإحاطة والقهر والرحمة . . أحيانا . . كل ذلك ليدين لها الناس ! فالربوبية تحتاج إلى ألوهية معها تخضع بها العباد ! وهذا كله يحتاج إلى كد ناصب من السدنة والعبّاد وإلى جهد ينفقه من يدينون للّه وحده في عمارة الأرض والنهوض بتكاليف الخلافة فيها ، بدلا من أن ينفقه عبّاد الأرباب الأرضية في الطبل والزمر والتراتيل والتسابيح لهذه الأرباب المفتراة ! ولقد تتوافر القوة لمن لا يحكّمون شريعة اللّه في قلوبهم ولا في مجتمعهم ، ولكنها قوة إلى حين . حتى تنتهي الأمور إلى نهايتها الطبيعية وفق سنة اللّه ، وتتحطم هذه القوة التي لم تستند إلى أساس ركين . إنما استندت إلى